محمد حسين الذهبي
209
التفسير والمفسرون
سلوكه باستجماعه بين نشأتى الجذب والسلوك ، بمعنى توسطة بين تفريط السلوك الصرف ، وإفراط الجذب الصرف ، فإنه إن كان في نشأة السلوك فقد جمد طبعه ببرودة السلوك حتى يقف عن السير ، وإن كان في نشأة الجذب فقط ، فنى بحرارة الجذب عن أفعاله وصفاته وذاته ، بحيث لا يبقى منه أثر ولا خبر ، وهو وإن كان في روح وراحة ، لكنه ناقص كمال النقص من حيث أن المطلوب منه حضوره بالعودة لدى ربه مع جنوده ، وخدمه : وأتباعه ، وحشمه ، وهو طرح الكل ، وتسارع بوحدته ، فالسالك إلى اللّه تكميله مربوط بأن يكون في الجذب والسلوك منكسرا برودة سلوكه بحرارة جذبه » فالجذب والسلوك كالليل والنهار وكالصيف والشتاء ، من حيث أنهما يربيان المواليد بتضادهما ، فهما - مع كونهما متنازعين - متآلفان متوافقان . إذا علمت ذلك ، فاعلم أن السالك إذا وقع في نشأة الجذب ، وشرب من شراب الشوق الزنجبيلى ، سكر وطرب ووجد ، بحيث لا يبقى في نظره سوى الخدمة للمحبوب ، وكل ما رآه منافيا للخدمة رآه ثقلا ووبالا على نفسه ومكروها لمولاه ، فيصمم في طرحه ، ويعزم على ترك الاشتغال به ، وهو من كمال الطاعة لا أنه ترك الطاعة كما يظن ، فلا ضير أن يكون أمير المؤمنين حال سلوكه وقع في تلك النشأة ، وحرم على نفسه كل ما يشغله عن الخدمة ؛ لكمال الاهتمام بالطاعة ، ولما لم يكن تحصيل الكمال التام إلا بالجمع بين النشأتين ، أسقاه محمد صلى اللّه عليه وسلم من شراب السلوك ، لأنه كان مكملا مربيا له ولغيره ، ولذا قالوا : لأن يكون للسالك شيخ وإلا فيوشك أن يقع في الورطات المهلكة ، ولا منقصة في أمثال هذه المعاتبات على الأحباب ، بل فيها من اللطف والترغيب في الخدمة ما لا يخفى ، وعلى كان عالما بأن الكمال لا يحصل إلا بالنشأتين ، لكنة يرى حين الجذب أن كل ما يشغله عن الخدمة فهو مكروه المحبوب ، ومرجوح عنده ، فحلف على ترك المرجوح . أو يقال : إن عليا لما كان شريكا للرسول صلى اللّه عليه وسلم في تكميل السلاك لقوله . « أنت منى بمنزلة هارون من موسى » وكان له شأن الدلالة ، ولمحمد شأن الإرشاد ، والمرشد بنشأته النبوية